الدين والدولة وتطبيق الشريعة
مبارك عامر بقنه
4/1/2012

يقرر الجابري أن المرجعية الأساسية والوحيدة والسابقة على جميع المرجعيات في مجال العلاقة بين الدين والدولة ومسألة تطبيق الشريعة هي عمل الصحابة وذلك أن نصوص الكتاب والسنة لا تشرّع لشؤون الحكم والسياسة بنفس الدقة والوضوح كالقضايا الشرعية الأخرى كقضايا الميراث مثلاً.

يتجه الجابري في تطبيق الشريعة إلى إلغاء اجتهادات العلماء[1] التي حدثت بعد زمن الخلافة الراشدة وذلك أن عصرنا يختلف اختلافاً كبيراً عن العصور الماضية ويطرح من المشاكل والمستجدات مالم يكن يخطر على بال المجتهدين السابقين فإننا بحاجة إلى الرجوع إلى زمن الخلفاء الراشدين فهو كان مقنن قبل ظهور الخلاف وقيام المذاهب والفرق. المبدأ الوحيد الذي كان الصحابة يراعونه دوماً هو المصلحة، ولا شيء غيرها. فكثيراً ما نجدهم يتصرفون بحسب ما تمليه المصلحة ، صارفين النظر عن النص حتى ولو كان صريحاً قطعياً.

ومعالجة مشاغل عصرنا ومشاكله تتطلب تجاوز القيود المنهجية التي قيدت بها المعرفة الدينية في الماضي، أي التعامل معها بمرونة والنظر إليها من زاوية النسبية ومن منظور تاريخي ، فعمل الصحابة كان مطبوعاً بالنسبية والنظرة التاريخية ، مما يجعل عملهم مفتوحاً ملهما يفتح الباب للتجديد والاجتهاد.

و"عمل الصحابة" يقصد به مجموع ممارستهم السياسية والتشريعية ، العملية منها والقولية ، من الحقائق التاريخية يبدو واضحاً أن مسألة "العلاقة بين الدين والدولة" لم تطرح لا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا في زمن الخلفاء الراشدين. ولم يظهر مصطلح "الدولة" كمصطلح سياسي إلا مع انتصار الثورة العباسية حين جرى على لسان العباسيين وأنصارهم قولهم :" هذه دولتنا".

فلم تكن العلاقة بين الدين والدولة من المفكر فيه ، لا زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا زمن الخلفاء الراشدين ، وإنما الذي صار مركز التفكير والاهتمام منذ أن مرض الرسول ما عبر عنه المتكلمون فيما يعد بمصطلح "الإمامة" أو "الخلافة" وهذه مسألة سياسية محض ، وقد كانت أولى المسائل الخلافية الكبرى في الإسلام. وجميع النظريات والآراء التي أدلى بها المتكلمون والفقهاء في موضوع الإمامة من منظور العلاقة بين الدين والدولة يمكن حصرها في مواقف ثلاث:

الموقف الأول يرى أصحابه أن الإمامة فرض من فروض الدين وركن من أركانه ولابد من تنصيب الإمام وهذا مذهب الشيعة.

الموقف الثاني يرى أن الإمامة ليست بواجبة وهذا رأى بعض أوائل الخوارج والنجدات وفريق من المعتزلة.

الموقف الثالث وهو موقف عموم أهل السنة وأكثرية المعتزلة والخوارج والمرجئة، إن الإمامة واجبة من جهة، وإنها تكون بالاختيار لا بالنص من جهة أخرى.

وقد وظف المتكلمون الإمامة للتجربة التاريخية للأمة وصنوفها إلى ثلاث أصناف:

توظيف من أجل تبرير حوادث واختيارات سابقة ، فآراء المتكلمين في الإمامة من أهل السنة كانت تهدف أساساً إلى الرد على شكوك وطعون الشيعة في الإمامة.

توظيف من أجل تبرير الحاجز وإخفاء الشرعية عليه، وذلك باتخاذ بعض أحداث الماضي أصولاً تقاس عليه إحداث الحاضر لتبريرها.

توظيف من أجل تفضيل "حالة الدولة" ــ مهما بعدت هذه الدولة عن المثل الأعلى الإسلامي ــ على "حالة اللادولة" وذلك بإبراز الأخطار التي تتهدد الأمة والدين في حال الفتنة والخروج على "الإمام" فالنزاع بين علي ومعاوية مثالاً لما تؤول إليه الأمور في حال الخروج على "الإمام" ، واتخذوا مبايعة الحسن لمعاوية. وتسليم الأمر له، أصلاً يبرزون من خلاله أهمية وضرورة "الإجماع" السياسي وأفضلية على كل خلاف، وقد سموا هذا العام بـ " عام الجماعة" وكانت النتيجة "انقلاب الخلافة لملك" وللتخفيف من مأساوية هذه النتيجة روّجوا لحديث نسبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه :" الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك[2]"

والجابري يرى أن الأحاديث التي لها طابع سياسي يخدم وجهة نظر طرف معين، إنها أحاديث مشكوك فيها، والغالب أنها موضوعة[3]. والقرآن والحديث يشتملان على ما يمكن أن يعتبر، على الأقل، أصولاً لأخلاقية الحكم في الإسلام، مثل مدح الشورى والترغيب فيها، والدعوة إلى إقامة العدل ... غير أن غياب نصوص صريحة واضحة، من القرآن والسنة لتنظيم شؤون الحكم والدولة لا يعني إن الإسلام في جملته غير معني بمسألة الحكم، فالتجربية التاريخية للأمة تكذب ذلك تكذيباً.

والسؤال: كيف طبقت أحكام الشرع خلال التجربة التاريخية للأمة الإسلامية بقطع النظر عن شكل السلطة التى تتولى تطبيقها؟

لابد من القول أن جميع الأحكام الشرعية في الإسلام ينتظمها مبدأ واحد، هو المصلحة العامة، فهي إما جلب مصلحة أو لدفع مضرة. والمصلحة هي مقصد الشرع.

ولكن هذا الأمر ينطبق على جميع الأنظمة السياسية فهي تسعى إلى تحقيق المصلحة العامة فما الفارق بينها وبين النظام الإسلامي إذن؟ ثم كيف يمكن أن نقرر المصلحة العامة، ما المنهجية التي نتبعها في معرفة المصلحة من المفسدة؟

ويتجه الجابري في حالة تعارض المصلحة مع النص باعتبار المصلحة فالصحابة يعتبرون المصلحة ويحكمون بما تقتضيه ويؤجلون العمل بمنطوق النص فيها. ويضرب لذلك مثلاً فقال أبو بكر للمرتدين فهو خالف النص "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموألهم" وكذلك منع عمر الزكاة للمؤلفة قلوبهم ومنعه من الزواج من بنات اهل الكتاب. فالمصالح الكلية هي الأصل الوحيد الذي كان الصحابة يعتمدونه في تطبيقهم لأحكام الشرع.

السؤال: هل الإسلام دين ودولة؟ سؤال مزيف لم يسبق أن طرح قط في الفكر الإسلامي حتى أوائل القرن الماضي، وإنما طرح ابتداء من منتصف القرن الماضي بمضمون لا ينتمي إلى التراث الإسلامي، مضمون نهضوي يجد أصوله وفصوله في النموذج الحضاري الأوربي.

مرجعيتنا التراثية لا تحتمل هذه الثنائية (ثنائية دين/دولة) لأن لم يكن هناك في التاريخ الإسلامي بمجمله "دين" متميز أو يقبل التمييز والفصل عن الدولة، كما لم يكن هناك قط "دولة" تقبل أن يفصل الدين عنها. وعبارة "فصل الدين عن الدولة" أو "فصل الدولة عن الدين" ستعني بالضرورة، داخل المرجعية التراثية، أحد أمرين أو كليهما معاً: إما إنشاء دولة ملحدة غير إسلامية ، وإما حرمان الإسلام من "السلطة" التي يجب أن تتولى تنفيذ الأحكام.

ليس في القرآن ما يفيد بصورة واضحة الدعوة إلى إنشاء دولة أو ملك أو امبراطورية إلا إن القرآن يتضمن أحكاما تتطلب وجود سلطة في تنفيذها.

والإطار المرجعي الذي استند إليه الفقهاء في تشييد الخلافة هو ما حدث في سقيفة بني ساعدة ، فتعتبر احداثها أصلاً، يقاس عليه, ويتكون هذا الأصل من ثلاثة عناصر:

الأول: اختبار الشخص الذي يكون ولي أمر المسلمين.

الثاني: الخليفة لا يكون إلا واحداً.

ثالثاً: الخلافة بالاختيار وليس بالنص.

والخلاصة: أن النبي ترك الأمر للصحابة، وما صنعه الصحابة وما قاله الفقهاء يؤول أمره إلى الاجتهاد. والاجتهاد في مسألة ترك أثرها للمسلمين سيختلف حتما بإختلاف العصور وتغير الظروف.

والسؤال: ما هو النظام السياسي الذي يقبل أن يوصف بأنه "إسلامي" ويكون في نفس الوقت متلائماً مع ظروف عصرنا مستجيباً لحاجاته واتجاه تطور التاريخ؟

ليس في القرآن ولا في السنة، نص تشريعي ينظم مسألة الحكم، وبما أن النبي توفى دون أن يعين من يخلفه، أو يبين طريقة تعيينه ودون أن يحدد اختصاصاته ولا مدة ولايته فالمسألة تبقى "أنتم أدرى بشؤون دنياكم" فهي متروكة للاجتهاد.

والاجتهاد إما أن يكون في المسائل الي يمكن أن تدرج تحت حكم شرعي فيه نص، وإما أن يكون في مسائل لانص فيها. وفي هذه الحالة تكون المصلحة العامة التي تقتضيها ظروف العصر هي المرجع، والخليفة الإسلامية هي الموجة، والتجربة التاريخية للأمة هي موطن العربة والاعتبار.

وماحدث في أواخر عهد عثمان من أحداث "الفتنة الكبرى" كان تعبيراً عن فراغ دستوري كبير في نظام الحكم الذي قام بعد وفاة النبي ويتجلى هذا الفراغ في ثلاث مسائل:

1.     عدم إقرار طريقة واحدة مقننة لتعيين الخليفة.

2.     عدم تحديد مدة ولاية الخليفة.

3.     عدم تحديد اختصاصات الخليفة.

العناصر الأساسية للخليفة الاسلامية في الحكم هي الشورى، والمسؤولية أنتم أدرى بشؤون دنياكم. لذا لابد من إعادة تأصيل هذه المبادئ الثلاث لتستجيب لحاجات عصرنا. فليس هناك ما يبرر تحفظ بعض الحركات السياسية الإسلامية من الديمقراطية الحديثة.

ويرى الجابري أنه من الواجب استبعاد شعار "العلمانية" من قاموس الفكر القومي العربي وعويضه بشعاري الديمقراطية والعقلانية، فهما اللذان يعبران تعبيراً مطابقاً عن حاجات المجتمع العربي. ويرى أن طرح شعار "العلمانية" أو ماطرح في العالم العربي، في منتصف القرن الماضي. وكان الذين طرحوه هم منكرون مسيحيون من الشام ثم ارتبط هذا الشعرا بشهرا "الاستقلال عن الترك" وهذا الشعاران عُبر عنه بتيار "العروبة" ولا الديمقراطية ولا العقلانية، تعنيان بصورة استبعاد الإسلام، فالإسلام هو روح العربي.

في المجتمع الإسلامي الذي لا توجد فيه مؤسسة دينية، فإنه يحتاج إلى فصل الدين عن السياسة، بمعنى تجنب توظيف الدين لأغراض سياسية. فالسياسة نسبية تحركها المصالح الشخصية أو الفئوية، أما الدين فمطلق يجب أن ينزه عن ذلك. وجوهر الدين أنه يوحد ولا يفرق والسياسة تفرق، فربط الدين بالسياسة يؤدي إلى الاختلاف في الدين ، وهذا قد يؤدي إلى الطائفية والحرب الأهلية[4].

وقد أخطا الجابري في هذا التصور فوجود نزاعات تاريخية لايعني إصدار حكماً عاماً بعزل الدين عن السياسة بحجة تنزيه الدين عن الممارسات السياسية، فالدين جاء ليتمثله الناس في حياتهم ويمارسونه عمليا وواقعيا. ووجود اناس يوظفون الدين من أجل تحقيق أهدافاً سياسية لا يبيح لنا أن نلغي الإسلام من دوره السياسي بل هذا يتطلب منا أن نجعل هناك آلية تمنع الأفراد والهيئات من استغلال الدين فإلغاء الدين من السياسة ليس حلاً بل هو عجزاً ويزيد من التفرق والشقاق، وغياب المنهج الإسلامي هو الذي يزيد مساحة الاختلاف ويمزق الأمة.

ويرى الجابري أن التجربة التاريخية للأمة، وتجربتها الراهنة مع الحضارة المعاضرة لا يكفي فيها استلهام نموذج "السلف الصالح" وحده. فهذا النموذج إنما كان نموذجاً كافياً لنا يوم كان التاريخ هو تاريخنا، فالنموذج الذي يجب استلهامه من أجل إعادة بناء الذات وتحصينها ضد الذوبان والاندثار والاستلاب، ينبغي ألا يكون من نوع "النموذج السلف" بل يجب أن يشمل جماع التجربة التاريخية للأمم، فمنطق الحضارة المعاصرة، يتلخص في مبدأين: العقلانية والنظرة النقدية. العقلانية في الاقتصاد والسياسة والعلاقات الاجتماعية، والنظرة النقدية لكل شيء في الحياة. لقد كان منطق السلف الصالح يقوم على أن الدنيا مجرد قنطرة إلى الآخرة، وهذا المنطق أدى دوره يوم كان العصر عصر إيمان ، واليوم عصر علم وتقنية وإيديولوجيات[5].

ويقرر الجابري أن المطلوب اليوم في ميدان الشريعة هو القيام بمثل ما قام به فلاسفة الأشاعرة في مجال العقيدة اي إعادة بناء منهجية التفكير في الشريعة انطلاقا من مقدمات جديدة و (مقاصد) معاصرة. وبعبارة أخرى ، إن المطلوب اليوم هو تجديد ينطلق، لا من مجرد استئناف الاجتهاد في الفروع، بل من إعادة تأصيل الأصول، من إعادة بنائها. ونقطة البداية في عصرنا يجب أن تكون إعادة تأهيل عقل المجتهد، إعادة بنائه، فمن دون عقل جديد لا يمكن أن يقوم اجتهاد جديد.

ويقول لقد وعي الشاطبي بعمق أن الاجتهاد بالأسلوب القديم، قد استنفد كل امكانياته، وأن "انفتاح " باب الاجتهاد من جديد أصبح يتطلب ــ بحسب عباراته ــ "تأصيل الأصول" ، وذلك باعتماد كليات الشريعة ومقاصدها بدل الاقتصار على تفهم معنى ألفاظ النصوص واستنباط الأحكام منها[6]، أو على مقياس حادثة فيما لانص فيه. العقل الذي كان يمارسه، وما ينقص الغالبية العظمى من علماء الإسلام اليوم هو القدرة على الاجتهاد المواكب للحياة. اما الاجتهاد الذي تخطته الحياة فهو لا ينفع الحاضر.

يتطلب من المجتهد وضع أصول يعتمدها في عملية التطبيق هذه، أصول وظيفتها تأسيس معقولية الأحكام التي يصدرها بشأن النوازل والمستجدات وهذه المعقولية مبنية على الأحكام الشرعية الواردة في الكتاب والسنة. وعلى اعتبار المصلحة هي التي تؤسس معقولية الأحكام الشرعية وبالتالي فهي أصل الأصول كلها. فهذه الطريقة تتحرك في دائرة واسعة لا حدود لها، دائرة المصلحة، وبالتالي فهي تجعل الاجتهاد ممكنا ولدى كل حالة.

فلا بد أن ننطلق من المقاصد أساساً، أي أن الحكم لابد أن يكون مبرراً ومعقولاً وسط وضعية ما. فعلينا أن نتحرر من سلطة القياس والانشداد إلى الألفاظ والانصراف إلى البحث عن "أسباب النزول" .

وقد اتجه الجابري إلى إعادة الرؤية في القواعد الأصولية فيقول هي ليست مما نص عليه الشرع، لا الكتاب ولا السنة، بل إنها من وضع الأصوليين. إنها قواعد للتفكير، قواعد منهجية، ولا شيء يمنع من اعتماد قواعد منهجية أخرى إذا كان من شأنها أن تحقق الحكمة من التشريع في زمن معين بطريقة أفضل، ويتجه إلى أن القول بأن الأحكام إنما تدور مع عللها وليس مع حِكمها قول لامعنى له إلا عند من يقول بالتعليل بالعلة وبالدوران. ويرى أن يتجه تفكير المجتهدين الراغبين في التجديد حقاً والشاعرين بضرورته فعلاً إلى القواعد الأصولية نفسها، إلى إعادة بنائها بهدف الخروج بمنهجية جديدة تواكب التطور الحاصل، سواء على صعيد المناهج وطرق التفكير والاستدلال، أو على صعيد الحياة الاجتماعية والمعاملات الجارية فيها، وهذه المنهجية التي يراها الجابري هو أن تدور الأحكام مع المصالح، فالمصلحة هي الأصل في التشريع.

وذكر بعض الخواطر حول مفهوم الضرورات والتي حُصرت في خمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال فيرى إنها مازالت وستبقى ضرورات بالفعل ولكن مصالح العباد لم تعد مقصورة على هذه بل لابد من إدراج: الحق في حرية التعبير، وحرية الانتماء السياسي، والحق في انتخاب الحاكمين وتغيرهم، والحق في الشغل والخبز والسكن والملبس، والحق في التعليم والعلاج ... ويقول عندما ننجح في جعل ضروريات عصرنا جزءا من مقاصد شريعتنا، فإننا سنكون قد عملنا ليس فقط على فتح باب الاجتهاد في وقائع عصرنا المتجددة المتطورة، بل ستكون أيضاً قد بدأنا العمل في تأصيل أصول شريعتنا نفسها بصورة تضمن لها الاستجابة الحية لكل ما يحصل من تغيير.

وختاماً: كتاب الجابري كتاب جدير بالقراءة فهو يحمل أفكارا تستحق التأمل والمراجعة، وخصوصاً في قضية شائكة كقضية الحكم والسياسة فهي تحتاج مزيدا من الدراسة والمعالجة حتى نصل إلى نقاط متفق عليها.


[1] تجاوز عمل العلماء بعد عصر الصحابة والاكتفاء بعمل الصحابة الكرام يستلزم إلغاء كل الاجتهادات والاستنباطات والمناهج التي وضعها علماءنا في فهم الشريعة ؛ فمن ذلك مثلا إلغاء منهج أصول الفقه الذي وضعه الشافعي وأخذت به الأمة كمنهج لفهم نصوص الوحي، والعودة لعصر الصحابة يتطلب آلية لفهم منهجهم سواء في تفسير النصوص أو في تطبيقها على الواقع. والقول علينا الأخذ بالمصلحة فقط، نقول لاريب أن الشريعة جاءت لتحقيق المصالح ودرء المفاسد؛ ولكن السؤال: كيف نقرر المصلحة دون منهج للتفكير متفق عليه؟ فالأفهام تختلف في تحديد المصلحة، ونحن نحتاج قواعد منهجية لنحكم الأشياء هل هي مصلحة أم لا؟ والصحابة الكرام لا يحتاجون لوضع مناهج معرفية وذلك لامتلاكهم هذه المناهج فلغتهم العربية لم تتلوث بالعجمة ولم تختلط أفهامهم بالفلسفات الإغريقية مع شهودهم للتنزيل فيفهمون معناه لأنهم عرفوا سبب نزوله وأدركوا مراده.

اعتباره اجتهادات العلماء اللاحقة حجر عثرة في طريق تقدمنا، هذا يجعلنا أن نسير دون منهجية معرفية تؤطر تفكيرنا وبالتالي نجعل كل أمر نتخذه هو صواب لأن الكل سيقول المصلحة تقتضي هذا الأمر، فالحاكم على صحة الأمر من عدمه هو المصحلة والتي ليس لدينا قواعد تقرر ما المصحة من المفسدة سواء الاجتهاد الشخصي.


[2] الحديث رواه أحمد في المسند (20918)، والترمذي في السنن (2152)، والنسائي رقم (8155)، ومدار الحديث على سعيد بن جُمهان . والحديث قد صححه الإلباني كما في كتاب "ظلال الجنة" رقم (1185)، وكذا في "صحيح وضعيف سنن الترمذي" رقم (2226)

 

[3] وهذه الطريقة ليست منهجية في تضعيف وتوثيق الحديث وبهذا المنهج سوف نلغي كل خير كان فيه خبر سياسي يستفيد منه طرف ومن ذلك حديث عمار تقتله الفئة الباغية فإن علي سوف يستفيد فيه، فالحكم على الحديث يكون وفق منهجية علمية وليس مجرد الرؤية والتوهم.


[4] وهذه هي حقيقة العلمانية أن ننزه الدين عن السياسة ونقول أن الدين أسمى واعلى من السياسة، والسياسة مبنية على الخداع والكذب. لقد وقع الجابري في مفهوم العلمانية وإن كان ينكر استخدام المصطلح إلا إنه يمارس لمصطلح عملياً.


[5] هنا الجابري بعد أن قرر عدم وجود نظام سياسي اسلامي وبعد فصل السياسة عن الدين اتجه لمصدر التلقي في وضع المنهج السياسي وذلك بأن يكون عن طريق استلهام التجارب الإنسانية ويكون حكمنا عليها عن طريق العقل والمصلحة، فهذه النتيجة تعني أن أخذ المنهج الفرنسي أو الامريكي أو الصيني إذا كان عقلاني ويحقق المصلحة فلا حرج فيه، وبالتالي لا مفهوم لقوله تعالى :" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" وغيرها من الآيات والنصوص النبوية، وعبارة تطبيق الشريعة لا معنى لها. هذا هو لازم قول الجابري إن لم يكن هو قوله بحروفه، وهو منهج خطير حيث يلغي الشريعة الحاكمة من حياة الناس وتستبدل بالمصلحة.


[6] يلمح الجابري هنا إلى الاعتماد على العقل دون النص، فالنص في نظره لايصلح لتحقيق المصلحة في هذا العصر وإنما العقل هو القادر على تحقيق المصالح، ونحن نقول العقل هو القادر على تحقيق المصلحة ولكن لابد أن ينطلق هذا العقل من النصوص الشرعية فهما ورؤية وتطبيقا، وألفاظ نص الوحي هي ألفاظ مقدسة الأصل في وضعها شرعا أن لا يقصد بها جيل دون جيل بل هي شاملة لجميع البشر في جميع الأزمان

التحكم في النفس
بماذا يعرف ما هو مقصود للشارع؟
ألفاظ لا تستعمل
هل الأنين يقدح في الصبر؟
اقتباس الهدى



جبران الفيفي   |   التاريخ والوقت: Jul 23 2012 12:00AM
السعودية
بارك الله فيك وفي قلمك أيها المبدع
أضف تعليقك
الأسم *    
الدولة:  
التعليق *  
 

الرجاء كتابة العدد هنا