الكتابيُّ مشرك
مبارك عامر بقنه

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى :"وأما الجواب عن المسالة الثانية , فهو أن ما ذكرتم من أن القرآن فرق بين المشركين وبين أهل الكتاب , واستشهدتم لذلك بآية المائدة لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) فهو كما ذكرتم, لأن العطف يقتضي بظاهره الفرق بين المعطوف والمعطوف عليه .


وقد تكرر في القرآن عطف بعضهم على بعض كالآية التي تفضلتم بذكرها , وكقوله تعالى ": لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) , وقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) البينة , وقوله تعالى مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) سورة البقرة , وقوله تعالى لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)" سورة آل عمران , إلى غير ذلك من الآيات .


وظاهر العطف يقتضي المغايرة بين المتعاطفين , لأن عطف الشيء على نفسه يحتاج إلى دليل خاص يجب الرجوع إليه مع بيان المسوغ لذلك كما هو معلوم في محله .


وما تفضلتم بذكره من أن عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه أمر بإلحاق أهل الكتاب بالمشركين في عدم دخول المسجد الحرام فمستنده المسوغ له أن الله جل وعلا صرح في سورة التوبة أن أهل الكتاب من يهود ونصارى من جملة المشركين , وغذا جاء التصريح في القرآن العظيم بأنهم من المشركين , فدخولهم في عموم قوله تعالى :


( إنما المشركون نجس ) لا إشكال فيه .


وآية التوبة التي بين الله فيها أنهم من جملة المشركين هي قوله تعالى : "وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)" سورة التوبة , فتأمل قوله تعالى في اليهود والنصارى ( سبحانه عما يشركون ) يظهر لك صدق اسم الشرك عليهم , فيتضح إدخالهم في عموم ( إنما المشركون نجس ) .


ووجه الفرق بينهم بعطف بعضهم على بعض هو : أنهم جميعا مشركون , والمغايرة التي سوغت عطف بعض المشركين على بعض هي اختلافهم في نوع الشرك .


فشرك المشركين – غير أهل الكتاب – كان شركا في العبادة , لأنهم يعبدون الأوثان , وأهل الكتاب لا يعبدون الأوثان فلا يشركون هذا النوع من الشرك , لكنهم يشركون شرك ربوبية كما أشار له تعالى بقوله : اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ , ومن اتخذ أربابا من دون الله فهو مشرك به في ربوبيته , وادعاء أن عزير ابن الله , والمسيح ابن الله من الشرك في الربوبية , ولما كان الشرك في الربوبية يستلزم الشرك في العبادة , قال الله تعالى "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" ." معجم المناهي اللفظية (510)


الفرق بين النهي عن المنكر وتغييره
المؤمن هو المتقوي
عالمية الإسلام
هل الأنين يقدح في الصبر؟
الترتيب الحقيقي للأشياء


أضف تعليقك
الأسم *    
الدولة:  
التعليق *  
 

الرجاء كتابة العدد هنا