هل الحرب لا مفر منها؟
تعريب مبارك عامر بقنه
8/30/2013

المراسلات عن الحرب بين آينشتاين وفرويد يقرأها جيفري غوردون.

في عام 1932 كتب أعظم عباقرة القرن العشرين رسالة عاجلة إلى طبيب نفساني الأكثر تأثيرا في القرن العشرين. في تلك الرسالة، سأل "ألبرت آينشتاين" "سيجموند فرويد": "هل هناك أي طريقة لحفظ البشرية من خطر الحرب؟" لقد كان ذلك في العام الذي جعل الناخبون في ألمانيا النازيين أقوى حزب سياسي في ألمانيا، سنة واحدة فقط قبل أن يرتقي أدولف هتلر إلى السلطة بشكل بارز.

لقد قُوبل جواب فرويد المفصل والمطول بحماس مفرط من قبل آينشتاين. وسمى خطاب فرويد "الكلاسيكية الحقيقية ... شيء رائع بالكلية" منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي الحالي الحرب على الإرهاب مع عدم وجود نهاية متوقعة، فإنه سؤال آينشتاين نفسه يفرض علينا بإلحاح. ما هو مضمون هذه الرسالة؟ وهل في جواب فرويد شيء يمكن أن يعطينا الأمل اليوم؟

لم يكن فرويد متفائلا إما فطرةً أو ميلا نظريا. كانت رؤيته للطبيعة البشرية مظلمة بشكل واضح. يكرر في رسالته إلى أينشتاين نظرية الغريزة والتي قد وضعها في وقت سابق من اثني عشر عاما، وهي إلى حد كبير رد فعل على وحشية الحرب العالمية الأولى التي لم يسبق لها مثيل ، والتي قُتل فيها 20،000،000 شخصا. وكأي كائن حي، يؤكد فرويد، أن الإنسان يُقاد من قبل قوتين غريزيتن متساويتين. الأولى، الإيروس (الغريزة الجنسية)، وهي الخلاق والموحد. والآخرى، ثانتوس (غريزة الموت)، وهي العدوانية والتدميرية. يقول فرويد في رده لآينشتاين: إن ما يجعل البشر تستجيب لطبول الحرب هو العاطفة الطبيعية للتدمير، والرغبة البدائية للحد من الحياة لمسألة خاملة. وعندما تتحالف غريزة الموت مع المحرك الخلاق لغاية كبرى، كما هو الحال عندما يطلق العنان للحرب لتطهير العرق الآري، أو لتمجيد الإخوة في الله - وإشباع الغريزة الجمعية بشكل جيد أمر لا يقاوم.

ولكن على الرغم من هذا، يرفض فرويد الرد على سؤال آينشتاين الجدي ما إذا يمكن أن نسلم من خطر الحرب مع العالم الذي أنهكته "لا". وبدلا من أن يسأل نفسه لماذا هو وآينشتاين عازمان على تخليص البشرية من الحرب. لماذا لا يقبلان ببساطة الأمر على أنه حتمية مأساوية، كبقية حقائق الحياة البغيضة التي لا مفر منها؟ بما أن هذا هو بالضبط الموقف تجاه الحرب الذي اتخذه كثير من المراقبين للإنسانية  ذوي الثقافة العالية في وقتهم وفي وقتنا الحالي، أعتقد أنه من المفيد النظر في رد فرويد الصريح على هذا السؤال. يحتج فرويد على حقيقة الحرب بأنها تنتهك الحق الأساسي للإنسان في الحياة، لأنها توقف حياة الشباب في منتصف الزهور وبالتالي تحرم البشرية من عطاءهم، ولأنها تعامل الفرد بوحشية بإجباره على "أوضاع هي عار على رجولته، تلزمه أن يقتل زميله، رغما عن إرادته"، ولأنها تدمر ثمار العمل البشري، وذلك وبالنظر إلى التحسينات المستمرة في التكنولوجيا العسكرية، إننا نُسرع نحو اليوم الذي تعني فيه الحرب الإبادة الكاملة لكل المقاتلين. التشاؤم والثقة الطبيعية التي تقبل الحرب كحقيقة غير قابلة للعلاج في حياة الإنسان هو موقف لا يمكننا تحمله: إنه تهاون مفرط. مهما كانت دروس التاريخ تعيسة، ومهما تعلمنا من النفس البشرية، حيث شهوتها الأصلية للقسوة والتدمير، يجب علينا أن نحافظ على أمل السلام، لأن استعفاء حتمية الحرب الآن هو استعفاء المرحلة الأخيرة من الإنسانية. كان التفاؤل لفرويد  فيما يتعلق بالسلام ضرورة أخلاقية.

ولكن لو الحرب سحقت مُسلّمات فرويد الأساسية الفطرية، أليست هي منيعة لأي استراتيجية يمكن تصورها من اجل القضاء عليها؟ إذا كان التفاؤل بما يتعلق بالسلام هو واجب إخلاقي، فما القاعدة الأساسية التي لدينا لمثل هذا الأمل؟ في وجه مشاركته الكبيرة لفهمنا لطبيعية فساد الإنسان، فلم يكن فرويد في الواقع أمر ميؤوسا من حفاظنا على الوهم، وهو التعامي بحتمية الحرب؟

يحدد فرويد اثنين من المصادر الرئيسية للأمل: يمكننا هزيمة الحرب إما عن طريق تعزيز الترياق الطبيعي لغريزة الموت، أو عن طريق التغلب على الغرائز تماما في تطور النفس البشرية. ويتمثل الخيار الأول في تعزيز أواصر الإيروس (الغريزة الجنسية) بين البشر، إما عن طريق دعم العاطفة الحقيقية من شخص إلى آخر، أو من خلال إقناعهم بأن ما يشتركون فيه كبشر هو أقوى مما يمزقهم فيما بينهم كأعضاء من قبائل مختلفة. المصدر الثاني للأمل يستوحى من قبل أفلاطون: أنه يحتاج إلى تطوير الذكاء المتحضر الذي يجعل محركات المرء الغريزية تابعة لقوة العقل وهذا في جزء كبير من سكان العالم (وخاصة قادتها).

تاريخ صراع الإنسان لا يقدم أي تشجيع حول أي من هذه الاحتمالات. وقد استمر تزوير قوى أواصر الهوية والحب خلال عدد كبير من البشر للانتقام ضد عدو مشترك. وبذلك تكون قد تحققت هيمنة الغريزة من قبل الذكاء الحرج حيث أُنجزت فقط في شريحة صغيرة جدا من الإنسانية - ومن ثم لا يخلو من مخاطر جمة على الصحة النفسية التي يتكبدها الانطواء العدواني، كما اعترف به فرويد. عودة ظهور الحماسة القبلية وسفك الدماء في التاريخ الحديث من البوسنة إلى دارفور، إلى الحرب الأهلية الوليدة في العراق، يمكن أن تؤدي إلى تعزيز الحكم بأن العالم لا يزال بعيدا جدا من أي من هذه السيناريوهات نحو السلام. ولكن العاطفة نحو السلام العالمي لا تكون دون دعم قوتنا الغريزة. وهناك علامات في عصرنا بعمل الإيروس (الغريزة الجنسية)، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، ثغرات الحدود، والاتجاه نحو التجارة المفتوحة وتدفق التعاطف العفوي في جميع أنحاء العالم للولايات المتحدة أعقاب 11/9.

شعور فرويد أعطانا تهمة كمواطنين في القرن 21. يجب علينا أن نسعى في إقامة أواصر الإيروس (الغريزة الجنسية) بين بني البشر، وفي الوقت نفسه زيادة قوة ذكائنا لتوجيه دوافعنا الغريزية. لو نحن فكرنا من خلال الكيفية التي يمكن بها تنفيذ هذين الالتزامين ربما يُعزز في عملنا اليومي، حيث كل منا سيجد جدول أعمال لمدى الحياة.

لكن ألم يعلمنا التاريخ عدم جدوى كل هذه الجهود؟ القول بذلك هو إعطاء التاريخ قوة أسطورية بالكامل، وفي التاريخ لا يوجد فيه مثل هذه الدروس التى لا جدوى من تدريسها. إنها فقط بموافقة حاضرنا أن الماضي يمكن أن يضع حدودا للمستقبل. لذلك هل يمكننا أن نجرؤ على أمل السلام في الأرض؟ يجاوب فرويد بأمر لا لبس فيه لعصرنا: يمكننا بجرأة أي شيء أقل من ذلك.

أصل المقال هنا

نعم السمير كتاب الله
إطلاق لفظ "القديم" على الله
التحكم في النفس
اقتباس الهدى
بماذا يعرف ما هو مقصود للشارع؟


أضف تعليقك
الأسم *    
الدولة:  
التعليق *  
 

الرجاء كتابة العدد هنا