يهدي من يشاء
مبارك عامر بقنه
3/27/2018

سمعت الدكتور أحمد عمارة يفسر قوله تعالى: "يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ" أن من تعود للعبد، فإذا شاء العبد الهداية هداه الله تعالى. ونتيجة هذا التفسير أن تكون مشيئة الله تابعه لمشيئة العبد، فمشيئة العبد هي السابقة فإذا شاء العبد عندها تأتي مشيئة الله تعالى، فهداية الله للعبد مثلا تكون بعد مشيئة العبد وليس بعد مشيئة الله له. فهو بهذا عكس مفهوم أهل السنة أن مشيئة الخلق لا تتم إلا بمشيئة الله تعالى.

ولو تأملنا في التفسير من حيث اللغة ، فـ(من يشاء) يمكن أن تعود لله تعالى فيكون هو صاحب المشيئة، ويمكن أن تعود للعبد ويكون هو صاحب المشيئة. ولكن لا نكتفي باللغة بل علينا أن نحقق الأمر وذلك بالعودة لبقية الآيات التي ذكرت المشيئة ليستجلي لنا الأمر. ومما يدل على أن "من يشاء" تعود لله تعالى، وذلك بالاستقراء السريع لبقية آيات القرآن الكريم.

 فقوله تعالى: "يؤتي ملكه من يشاء" فالله يصطفي من يشاء للملك كما قال الله تعالى: "إن الله اصطفاه عليكم". فالاصطفاء والاتيان من الله تعالى وليس من العبد، فالعبد يريد الملك ولكن لا يناله لأن ذلك يعود لله تعالى.

وكذلك قوله تعالى: "والله يضاعف لمن يشاء" فالمضاعفة من الله تعالى وتكون لمن يختار الله تعالى. ولا يمكن إعادة الأمر للعبد.

وقوله تعالى: "يؤتي الحكمة من يشاء" فالذي يشاء هنا هو الله تعالى، لأن الناس كلهم يريدون الحكمة ولكن هذا فضل من الله يؤتيه من يشاء هو سبحانه.

 وقوله تعالى: "فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء" فالمشيئة هنا تعود لله تعالى، فإن العبد لا يشاء لنفسه العذاب.

وقوله تعالى: "يختص برحمته من يشاء" فحتما أنها تعود لله تعالى لأن العبيد كلهم يشاؤون الرحمة ومع ذلك لم ينالوها إلا من شاء الله تعالى.

والله يقول: "الله يجتبي من رسله من يشاء" فهل الإنسان إذا شاء أن يكون رسولا تحققت مشيئة الله له، كلا، وإنما الأمر عائد لله تعالى وليس للعبد.

وقوله تعالى: "ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء" فهل العبد هو الذي يريد الصواعق أم الأمر عائد لله؟ فالأمر حتما عائد لله تعالى.

وقوله تعالى: "يسبط الرزق لمن يشاء" فالعبيد كلهم يسعون ويشاؤون الرزق والغنى ومع ذلك ما يصيبهم إلا ما شاء الله، بل قد يشاؤون الغنى فيأتيهم الفقر، فأين مشيئتهم؟

ونحن نجد أن الله تعالى قد ذكر مشيئة العبد ولكنه جعلها غير مؤثرة وغير سابقة لمشيئة الله تعالى، ومن ذلك قوله تعالى: " فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله" وقوله "فمن شاء ذكره، وما يذكرون إلا أن يشاء الله" وقوله " لمن شاء منكم أن يستقيم، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين" فنلحظ في هذه الآيات الكريمات أن الله تعالى نفى مشيئة العبد إلا أن يشاء الله تعالى، وهي صريحة وبينة في هذا الأمر، وهذا يجعلنا نحمل قوله تعالى: "من يشاء" أن اسم الموصول "من" عائد إلى الله تعالى.

 ومما يدل على ذلك أن هناك آيات أخرى تبين ذلك، فمثلا نجد في قوله تعالى عن أصحاب البقرة: "وإنا إن شاء الله لمهتدون" فأعادوا المشيئة لله تعالى ولم يعودوها لأنفسهم. فلو كان الأمر يعود إليه لقالوا "وإن شئنا فإننا لمهتدون" ولكن لم يقولوا هذا.

وكذلك مما يبطل أن مشيئة العبد مقدمة على مشيئة الله تعالى قوله تعالى: "فيكشف ما تدعون إليه إن شاء" فالعبد يدعو ويرجو ويشيء أن تذهب عنه الغمة ولكن الله تعالى هو الذي يكشفها إن شاء وليست مشيئة العبد. وهذا كقوله تعالى: "ولو شاء الله ما أشركوا" وقوله "ولو شاء ربك ما فعلوه" وقوله " ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا".

وهناك آيات أخر تدل أن مشيئة العبد لا تسبق مشيئة الله تعالى، فمثلا في قوله: "رب اشرح لي صدري" أليس هذا دلالة أن الأمر بيد الله، فلو كان الأمر بيد العبد كان فقط حقق العبد المشيئة عند ذلك يتحقق له ما يريد.

وكذلك في قوله تعالى: "ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم"  قوله تعالى: "أولئك كتب في قلوبهم الإيمان" فلو كان الأمر يعود لمشيئة العبد لكان شاء دون أن يكتب الله ذلك ويزينه في قلوب عباده.

ولكن مما ينبغي الانتباه إليه، أنه لا يعني حديثي السابق أن العبد مجبور لا اختيار له، بل قد جاءت آيات صريحة أن للعبد اختيار، ومما يدل على حرية الاختيار وأن العبد غير مجبور قوله تعالى: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" وقوله " لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر" والعبد محاسب على مشيئته واختياره، فالعبد الناجي من عذاب الله هو من كانت مشيئة تتفق مع مشيئة الله الشرعية.

وأخيرا: لو أخذنا بتفسير عمارة فإنه يكون له الاحتجاج بمقولة "قانون الجذب" والتي يراها الدكتور أنها صحيحة، وهي من أوهام الشيطان لا يؤيدها دليل شرعي ولا عقلي وإنما خرافة عصرية راجت على كثير من الناس.

الكلام المباح، هل يكتبه الملكان أم لا يكتبانه ؟
وساوس الشيطان
صناعة النظم
ألفاظ لا تستعمل
الغاية النبيلة


أضف تعليقك
الأسم *    
الدولة:  
التعليق *  
 

الرجاء كتابة العدد هنا