مفهوم الابتلاء عند شحرور
مبارك عامر بقنه
5/26/2018

سخرية شحرور من مفهوم الابتلاء يدل أنه لا يفهم معنى الابتلاء في الشريعة، فهو لا يجعل النصوص الشريعة مساراً له في الفهم، وهذه إحدى أسرار تخبطه أنه لا يلتزم بالنص الشرعي لفهم السنن الربانية، فهو يحاكم النص ويرفضه وفق هواه فقط، حتى ليس لديه قاعدة مطرده يسير عليها وإنما قاعدته هي الهوى البحت لا غير، فحين يقول أن الثواب من الابتلاء كلام معيب فهذا يدل على أنه لا ينطلق من المفهوم الشرعي بل ينطلق من هواه لا غير، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه ، وولده ، وماله ، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" صححه الألباني، فالحديث يقول بصراحة أن البلاء كفارة للمؤمن، وعند مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "ما يصيب المؤمن من شكوة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة، أو حط بها خطيئة" فالأحاديث تشير بوضوح أن الله تعالى يثيب المؤمن على ما ابتلى به إذا صبر واحتسب، وهذا فضل من الله تعالى. وعلى هذا درج العلماء وفهموا المعنى بهذا الفهم، فمثلا يقول ابن القيم رحمه الله: " فلولا أنه سبحانه يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا، والله سبحانه إذا أراد بعبد خيراً سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله، يستفرغ به من الأدواء المهلكة، حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه: أهَّله لأشرف مراتب الدنيا، وهي عبوديته، وأرفع ثواب الآخرة وهو رؤيته وقربه[1]". وشحرور يرفض هذا المعنى الواضح ولا يعتبره بل ويضحك بسخرية منه وذلك لأنه ينطلق من منطلق مادي صرف.

الحياة طبيعتها الابتلاء والمعاناة، والله جعل في الدنيا عذابا لحكمة بالغة كما قال الله تعالى: "وَلَنُذِيقَنهُم منَ العَذَابِ الأدنَى دُونَ العَذَابِ الأكبَرِ لَعَلهُم يَرجِعُونَ" فالعذاب الأدنى هو ما يصيب المرء من منغصات في حياته سواء كانت بدنية أو نفسية أو مادية، والعلة في ذلك كي يرجع لله تعالى فهذه حكمة الابتلاء التي لا يرتضيها شحرور.

ومن قال أن الدنيا هي سجن المؤمن هو النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر» فحين يضحك شحرور من هذه المقولة فهل هو يسخر من قول النبي صلى الله عليه وسلم؟ أم أنه يجهل أن هذا القول هو حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام؟

ضحكه يدل على جهله وعلى أنه لا يفهم ما المراد بقول النبي أن الدنيا سجن المؤمن، فالدنيا سجن للمؤمن لأنه يحبس نفسه عن الحرام، فيمنع نفسه عن الشهوات المحرمة وهو مكلف بفعل الطاعات التي قد تكون فيها مشقة على النفس فكأنه في سجن، وأما الكافر فهو لا يمنع نفسه من شيء.

ويرى شحرور أن مفهوم "الدنيا سجن المؤمن" أنها تدفع المرء للموت، ولكن هذا المفهوم غير صحيح، وإنما هي وصف لحال المؤمن لما ينتظره من نعيم في الجنة، فكأنه مقارنة لنعيم الجنة فهو في سجن، ولم يشر الحديث لا نصا ولا ضمنا لطلب الموت والتخلص من الحياة، بل هناك نصوص أخرى تجعل المرء يعمل في هذه الدنيا لآخر لحظة من حياته أو لآخر لحظة من بقاء الدنيا، ففي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها" صححه الألباني في السلسلة الصحيحة. فمع قرب قيام الساعة لم يمنعه من العمل والسعي في عمارة الأرض. فأخذ حديثا وتجريده عن بقية النصوص يسقط المرء حتما في تفسيرات خاطئة.

ويرى شحرور أن هذا الحديث وأحاديث الابتلاء تدل على أن السعادة في الحياة الدنيا غير مطلوبة. وينسب هذا الأمر لطلبة العلم حيث أنهم يجعلون السعادة في الدنيا غير مطلوبة، ولا يمكن لشحرور أن يذكر نصا لأهل العلم يثبت هذا الادعاء الذي ذكره وإنما يرمي الكلام هكذا دون براهين، فهو قليل الانصاف في التعامل مع طلبة العلم، بل يرى المؤمن أن الله تعالى لم يخلقنا ليعذبنا ويشقينا، فهو سبحانه ما أنزل الكتب إلا لسعادتنا كما قال سبحانه: "طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى" فطبيعة الشريعة أنها رحمة وهداية ونور وسعادة فلا تكليف فيها ما لا طاقة لنا به، "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً" فالمؤمن حين يمتلئ قلبه إيمانا فهو يرى مصائب الدنيا وابتلاءاتها رحمة، فتسكن نفسه وتهدأ جوارحه، فيعيش حياة طيبة، بينما يرى الكافر مصائب الدنيا التي هي من طبيعتها، يراها عذابا ونقمة فيزداد عذابه وألمه فيشقى، ومع هذا الشقاء الذي يعيشه الكافر فهو في جنة مقارنة لما ينتظره من عذاب الآخرة نسأل الله العافية.



[1] زاد المعاد ( 4 / 195 )

صعوبة إبراز المعاني
من يصنع التاريخ
أوصاف الشريعة
الترتيب الحقيقي للأشياء
عالمية الإسلام


أضف تعليقك
الأسم *    
الدولة:  
التعليق *  
 

الرجاء كتابة العدد هنا