الشافعي والحداثيون
مبارك عامر بقنه
12/18/2018

دعونا في البدء نتساءل: هل يمكن للعقل الإسلامي المعاصر أن يتخلى عن فكر الشافعي وعن أصوله المقررة في كتبه؟ وهذا السؤال يأتي للذهن بسبب ما يطرحه الحداثيون من الدعوة للتخلي عن فكر الشافعي، فلماذا؟

وللجواب على هذا السؤال، نقول: أن الأصول التي ذكرها الشافعي هي أصول شرعية لا يمكن تجاوزها لأنه استقاها من الكتاب والسنة، فتجاوزها هي تجاوز للكتاب والسنة، وهذا ليس ادعاء لا برهان عليه؛ فمنطلقات الشافعي هي الكتاب والسنة والاجماع والقياس، وهذه هي منطلقات صحيحة لا يمكن تجاوزها. وهي باقية لكل زمان ومكان. فموت الشافعي لا يعني موت الأصول التي ذكرها، فهذه الأصول ستبقى حية ما دام الإسلام، وسواء وجد الشافعي أو لم يوجد فستكون هذه الأصول حاضرة موجودة، فوجودها منبثق من النصوص الشرعية وليست نتاج بشري. والشافعي لم يقدم شيئا مختلفا عما كان عليه أسلافه، فلم يك مبتدعا خارجا عن سياق السلف، وإنما بذل جهداً جبارا في جمع الأصول المتناثرة وتأليفها في عقد منتظم لتكون منارة لطالب العلم، وحصنا للشريعة، وتكون ضابطة للفكر من عدم الانفلات والخروج عن طريق السلف.

هذه الضوابط التي دونها الشافعي جعلت الحداثيين يبغضونه ويشنون عليه حملات التشويه، فتجد مثلاً أن نصر حامد أبو زيد في كتابه "الإمام الشافعي وتأسيس الأيدولوجية الوسطية" قد شن هجوما ظالما على الشافعي فاتهمه بأنه متحيز للقرشية وأنه يرفض العقلانية وينفر من التفكير المنطقي واتهمه بالتشدد، وأنه في حالة صراع فكري مع أبي حنيفة، فيقول نصر أبو زيد: "إن الشافعي وهو يؤسس عروبة الكتاب .. كان يفعل ذلك من منظور أيديولوجي ضمني في سياق الصراع الشعوبي الفكري والثقافي[1]". ويقول أيضاً افتراء على الشافعي رحمه الله تعالى: "الشافعي يعتمد موقفاً أيديولوجياً خاصاً في خضم صراع فكري شعبوي انحاز فيه لا إلى العروبة فقط كما انحاز كثير من معاصرية، بل إلى "القرشية" تحديداً". طبعا ليس لنصر أبو زيد أي مستند يثبت كلامه وإنما يرمي التهم هكذا جزافا دون برهان، ومما يدل على أن نصر أبو زيد يتكلم من غير برهان هو زعمه أن الشافعي كان متعاونا مع الأمويين مختارا راضيا، فهل يعقل هذا الكلام أو يقبل والشافعي لم يدرك الدولة الأموية، فهو ولد بعد سقوط الدولة الأموية بسنوات، ويستنكر نصر أبو زيد بشدة على الشافعي لأن الشافعي يرى أن الكتاب ـ القرآن ـ يدل بطرق مختلفة على حلول لكل المشكلات أو النوازل التي وقعت أو يمكن أن تقع في الحاضر أو في المستقبل على السواء. فنصر أبو زيد يريد أن يسلب من الكتاب تجاوزه الزمني ويجعله كتابا تاريخيا.

الفكر الحداثي يعادي الشافعي لأنه يريد أن يفسر الإسلام تفسيراً حديثا بعيدا عن التفسير التراثي أو التفسير السلفي الذي يتبناه الشافعي، فالشافعي كان حجر عثرة في طريق الحداثيين إذ وضع الأصول على فهم الصحابة والتابعين في تفسير النصوص، والحداثيون يريدون أن يقفزوا على هذه الأصول التي قررها الشافعي ويتجاوزوا الثوابت القديمة ليشكلوا نمطا معرفيا جديدا، فهم في الأصل يعترضون على أي أصول سواء قررها الشافعي أو غيره لأنهم يريدون دينا مائعا هلاميا لا صرامة فيه. فالدعوة لتجاوز الشافعي هي في الحقيقة دعوة لتجاوز المنهج السلفي الذي يمثله الشافعي في طرحه.

لقد أسس الشافعي الأصول وجعل من ذلك ضرورة التمكن من اللغة العربية لمن أراد أن يجتهد، وجعلها آلة الفهم للوحي، قال رحمه الله تعالى: "فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها[2]" وعلى هذا سلك العلماء هذا المنهج، فيقول الشاطبي: "لا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمر، فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة. وإن لم يكن ثم عرف فلا يصح أن يجري في فهمها على ما لا تعرفه[3]" فكان هذا الضابط معيقا لحركة الحداثيين فهم يريدون لغة متحررة من الضوابط مليئة بالرمزية التي يؤول تفسيرها وفهمها للفرد فهم لا يريدون الالتزام بقواعد اللغة. فاشتراط الشافعي اللغة العربية للاجتهاد يعني إخراج زمرة الحداثيين من الاجتهاد وأنهم غير مؤهلين لمعرفة الشريعة فضلا عن الاجتهاد فيها.

الحداثيون يرون أن الشافعي حين جعل القياس من أصول الفقه أنه قد ضيق مساحة الاجتهاد وأنه جعل العقل أقل تحرراً وانفلاتا، وهذا أمر مشين عند الحداثيين، فالحداثيون هم أعداء التأصيل، فهم أصحاب فكري نسبي لا يرون شيئا ثابتا، فالحقيقة مائعة عندهم، تختلف الحقيقة باختلاف الأشخاص، فالحق هو ما يعتقده الشخص وليس ما كان في ذاته. لذلك كانت أصول الشافعي ناسفة للفكر الحداثي المائع الذي يدعو للنسبية المعرفية.

ومما يأخذه الحداثيون على الشافعي أنه قرر أن الوحي يدل بطرق مختلفة على حلول لكل المشكلات التي وقعت أو يمكن أن تقع في الحاضر أو المستقبل. فهم يرون أن هذا القول حول العقل العربي إلى عقل تابع، يقتصر دوره على تأويل النص واشتقاق الدلالات منه، فهم يرون أن الشافعي يؤسس بالعقل "إلغاء العقل". فالحداثيون يريدون أن تبقى الشريعة في نطاق ضيق لا يتجاوز الفرد، بخلاف ما أصله الشافعي.

ومما يثير الحداثيون أنهم يرون أن الشافعي بوضعه الضوابط الأصولية أنه يدعي بامتلاك الحقيقة، ويرون أن البناء الفكري الذي أسسه الشافعي يقوم على آليات خطابية من شأنها أن تصادر الاختلاف، فالشافعي يكثر من سرد الأدلة بطريقة مكثفة، فهذا عندهم محاصرة للفكر إذ لا تتيح للفكر مجالا لاستحضار الخلاف، إذ التكرار للأدلة يجعلها تفرض نفسها على المتقبل. وحضور مساحة نصية كبيرة من شأنه أن يسدل الستار نهائيا على الاعتراضات، وهذا النوع من الخطاب يجعل تمثل الحقيقة في شخص. وهذا القول من هراء الحداثيين، فإذا كانت الأدلة صحيحة ومتسقة فلا يمنع ذكرها جميعا، ولا يمنع من رأى خلاف ذلك أن يسرد هو أدلته، فتكثيف الأدلة ليس معيباً ولكنه في نظر الحداثيين يقمع الخصم فلا يجعله يبصر شيئا آخر، وكأنه بهذه الطريقة يجعل الناس على قول واحد.

الفكر الحداثي ليس قضيته الشافعي فقط بل قضيته مع التراث، فهو يريد إعادة تشكيل التراث وفق قراءة معاصرة مائعة، لذلك يتجه الفكر الحداثي دوما إلى إعادة تفسير للتراث وفق منظومته النسبية محاولا مع ذلك إلغاء الأصول والضوابط التي تجعل هناك صلابة وقوة للفكر الإسلامي ولا يتم إلغاء هذه الأصول الدقيقة إلا بنقد مؤسسي علم الأصول وعلى رأسهم الشافعي.

والاستدلال المعاصر بقول الشافعي ليس دلالة على بلادة العقل المعاصر، وإنما كفانا الشافعي مؤنة في وضع هذه الأصول التي سبق تقريرها من قبله، فكانت أسبقيته لتدوينها يستحق الاشادة به، وذكر فضله، ولا يمنع من الإضافة إن كانت متوافقة مع مقررات الشريعة.



[1] الإمام الشافعي وتأسيس الأيدولوجية الوسطية (27)

[2] الرسالة (51)

[3] الموافقات للشاطبي (2/82)

القيمة الأخلاقية
المؤمن هو المتقوي
تشابه اليهود والرافضة
المسائل التي نهي عنها الكتاب والسنة
وساوس الشيطان


أضف تعليقك
الأسم *    
الدولة:  
التعليق *  
 

الرجاء كتابة العدد هنا